image
الثلاثاء 29 جمادى الثانية 1438 | الساعه 06:50 بتوقيت مدينة الرياض

ثغورنا الفكرية

ثغورنا الفكرية

الثلاثاء 15/08/1436 الساعة 09:38 هـ (مكة المكرمة)
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

ثغورنا الفكرية


                      جعل الإسلام حماية الثغور والحدود عبادة أجزل عليها الثواب والأجر قال صلى الله عليه وسلم: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها) رواه البخاري. وفي حديث سلمان رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات فيه جرى عليه عمله الذي كان يعمل وأجرى عليه رزقه وآمن من الفُتان) رواه مسلم.

إذا كانت الحدود والثغور بالجنود تحمى وبالعتاد تؤمن فإن ثغور الأفكار تحتاج إلى جند وعسكر لحمايتها من أن يتسلل لها سرّاق الفكر فلا ثقب نريد لهم أن ينفذوا منه.

من السهل إخراج المتسلل من الحدود والمنافذ أما متسلل الفكر يحتاج إلى جهود ووقت لنتخلص منه ومن ثم آثار تسلله وما تركه من آثار فكرية في رؤوس مجالسيه.

فالغزو الفكري أمضى أثراً في الأمة من الاحتلال العسكري الفعلي فهذا احتلال للأرض أما الأول فاحتلال للعقل من الصعوبة بمكان إزالته بينما الاحتلال العسكري مصيره إلى الزوال طال أم قصر ولذا فالاحتلال الفكري أعظم وأخطر وهو أولى بالعناية والحماية والرعاية في الوقت الحاضر.

أصبح الاحتلال والاختراقات الفكرية الآن هي السلاح الفتاك والجندي الخفي بل هي البديل الناجع عن الجيوش والعتاد لدى أمم الاحتلال.

إذاً يجب أن ينظر إلى هذه الاختراقات الفكرية لشباب الأمة على أنها هجمات تهدد الأمن القومي فإذا كان اختراق شبر واحد من حدودنا الأرضية نعده تعدياً على وطننا كذلك التعدي الفكري يعد اختراقاً لأرضنا.

إن المعركة بين الأمم اليوم فكرية وليست حربية والورقة التي تلعب بها دول استعمار الماضي هي الغزو الفكري فلا بد من مقارعة الفكر بمثله.

والخطير في احتلال الفكر أن وسائله وأدواته وأساليبه يبدع الأعداء في الاحتيال والإغراء بها لأنها تلامس رغبات وشهوات الشباب فيكون الشاب صيداً سهلاً جراء وعود كاذبة ينساق خلفها.

إن الواقع المعاصر للمسلمين اليوم في أشد العوز إلى جهود العلماء والدعاة المخلصين لحماية ثغورنا الفكرية وخاصة الفكر الشبابي فحماته هم العلماء والدعاة والمعلمين ممن تحت عباءتهم ينشأ أمثال صلاح الدين وقطز وبيبرس ومحمد الفاتح وغيرهم من القادة المسلمين العظام والساسة العباقرة ممن تربى في كنف العلماء الربانيين.

إن تكوين المفاهيم وتعزيز القيم وبناء الفكر يبدأ من التعليم فهو المسؤول عن بناء الاتجاهات وضبط مسار أفكار الطلاب وحماية عقولهم من الغزاة وتوجيه سهامهم العقدية أو التطرفية والانحلالية أو الانحرافية السلوكية.

والموقف البالغ خطورة عندما يغلق الأستاذ الجامعي والمعلم باب غرفة الفصل (القاعة) على ثلاثين أو أربعين فكراً أبيض فهو مؤتمن على ما يكتب في صفحاته وما يخط فيه من عباراته وما يرسم فيهم من خرائط أفكاره.

في حوار مع الدكتور مصطفى محمود يقول: (لا يوجد دواء جاهز ولا حقن ذات مفعول فوري لوقاية الشباب وأفكارهم وهدايتهم بل إن الذي لدينا هو التربية الصحيحة في البيت والمدرسة والكتاب والإعلام وعلى المربي أن يحرر العقل ويرفض الانقياد الأعمى مهما كان الشعار ومحاربه غسيل المخ في السياسة والتربية والدين) انتهى.

وواقع العصر ينبغي أن يكون الأستاذ الجامعي والمعلم والقائد التربوي في مقدمة العسكر لحماية ثغورنا الفكرية لأبنائنا وهم السد الأول لحماية الفكر والمخلص الأول منه لو تغلغل متسلل بفكر منحرف تلك الحدود .

إن الهدي النبوي في نزع الأفكار الهدامة واجتثاث الأفكار المنحرفة كان بدون تحطيم الرؤوس بل بأسلوب راقٍ عالٍ عجيب كقصة طالب الإذن بالزنا وكان صلى الله عليه وسلم يبني القيم ويغير العادات بعطف ولطف وحنان كحواره مع مدنس المسجد وكان يقول عندما يرى أفكاراً متطرفة ( ما بال أقوام يقولون كذا وكذا )

أما اليوم فأخطر الغزوات والحروب تشن عبر الثورة المعلوماتية والاتصالات التقنية بلا جيوش فتبث تلك الوسائل أفكارا أشد فتكاً من القنابل النووية والجرثومية.

ما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب (قاعدة أصولية) فعلينا جميعا تجنيد أنفسنا لحماية ثغورنا الفكرية كل في مجاله وعمله لنكون جنوداً وسدوداً تمنع اختراقها وإن دواء الشبهة العلم.

ولقد حفظ ديننا علينا الضروريات الخمس ومنها (العقل) وهو مقصد عام يتعدى حفظه من ما يغطيه ويستره من مواد إلى ما يغشاه من أفكار إن المرابط على حماية الثغر الفكري لا يقل أجراً وثواباً عن المرابط على الثغر الحدودي.

 
 
 
 
 
عبدالعزيز بن حمد العبدان , مدير وحدة التخطيط والتطوير بتعليم المجمعة
 نشر في جريدة الرياض
 
 الثلاثاء 15 شعبان 1436 هـ - 2 يونيو 2015م - العدد 17144 , صفحة رقم34
 
 
 
 
 
 
جمادى الثانية 1438
سحنثرخج
2829301234
567891011
12131415161718
19202122232425
26272829123
45678910